فايزة أحمد… “كروان الشرق” بلغت القمة مشياً على الأشواك

====== كتب فارس يواكيم

كان محمد سلطان أول فنان عرفته. كان في فصل الصيف يمارس السباحة في المسبح نفسه في الإسكندرية، مسبح “سان ستيفانو”. تعارفنا سنة 1962 ونشأت صداقة. كان قد بدأ مسيرته الفنية كممثل سينمائي، وهو الذي دعاني لمشاهدة تصوير لقطات من فيلم “الناصر صلاح الدين” ليوسف شاهين وكان مشاركاً فيه. وقد اختاره المخرج بسبب إجادته لركوب الخيل، إضافة إلى وسامته، وكان قد شاهده في نادي الفروسية الذي يملكه ويديره مع والده اللواء المتقاعد عبد الحميد بك سلطان حكمدار البوليس سابقاً في مدينة الإسكندرية (قائد الشرطة). وكان محمد سلطان قد تخرج من كلية الحقوق، لكنه لم يمارس المحاماة. كان من هواة الفنون: التمثيل والموسيقى، وكان يجيد العزف على البيانو وعلى العود، وكانت والدته، وهي لبنانية من آل كامل من بكفيا، تجيد العزف على العود أيضاً. في نهاية صيف ذلك العام، انتقلت إلى القاهرة بعد قبولي طالباً في المعهد العالي للسينما. وانتقل محمد سلطان إلى العاصمة أيضاً بعدما أصبح المخرجون يستدعونه للتمثيل في الأفلام. وأقام في فندق “دي روز” في شارع طلعت حرب (سليمان باشا)، في وسط البلد. وكنا نلتقي أحياناً لمشاهدة فيلم وأحياناً لتناول الطعام في مقهى ومطعم ريش. وفي الأثناء كان قد شارك بالتمثيل في بعض الأفلام، ومنها “عيلة زيزي” مع سعاد حسني وفؤاد المهندس وإخراج فطين عبد الوهاب، وفيلم “الباحثة عن الحب” من إخراج أحمد ضياء الدين وبطولة رشدي أباظة ونادية لطفي.

وبدأ الناس يعرفون اسمه كممثل صاعد، لكنه لم يكن معروفاً في عالم الموسيقى. كان قد لحّن أغنيات أداها مطربون في إذاعة الإسكندرية، منهم من ظلّ مغموراً ومنهم من نال قدراً ولو بسيطاً من الشهرة، مثل عبد اللطيف التلباني. إلى أن حدث لقاء في حياته غيرّ مجراها تماماً. في منزل الموسيقار فريد الأطرش وبدعوة منه للذين اشتركوا معه في فيلم “يوم بلا غد” ومنهم محمد سلطان، ولبعض الصديقات والأصدقاء ومنهم المطربة فايزة أحمد، حدث اللقاء بين سلطان وفايزة. هو كان في الأساس معجباً بصوتها وبأدائها، وهي وجدته إنساناً لطيفاً واستطابت ما سمعته من مقاطع من ألحانه وقد أدّاها في تلك السهرة.

كانت فايزة أحمد آنذاك من المطربات النجمات في سماء الغناء العربي، من ألقابها: “كروان الشرق” و”مطربة الأسرة”. اللقب الأول بسبب عذوبة صوتها، والثاني لأنها أنشدت أغاني لأفراد الأسرة: أولها “ست الحبايب”، التي ما زالت أشهر أغنية عن الأم في الغناء العربي منذ لحنها لها محمد عبد الوهاب وغنّتها أول مرّة سنة 1958. ومن ألحانه أيضاً غنّت للأخ “يا غالي علييّ”. كما غنت من ألحان محمد الموجي للأب “تعالا لي يا با”، وللأسرة كلها “بيت العزّ يا بيتنا”. كانت قد بلغت قمة الشهرة لكن طريق الوصول إليها كان مليئاً بالأشواك.

ولدت فايزة أحمد في مدينة صيدا (جنوب لبنان)، سنة 1930. والدها مواطن سوري يدعى أحمد البيكو. أمها صيداوية. وقع الطلاق بين الأبوين وهي طفلة وعاشت مع والدتها التي تزوجت مجدداً. في المدرسة لفتت الطفلة فايزة انتباه المعلّمات بعذوبة صوتها وكانت تترنم بأغانٍ لليلى مراد وأسمهان. وفي عمر المراهقة تقدمت للغناء في الإذاعة اللبنانية، وكان الذي أجازها هو محيي الدين سلام، والد المطربة نجاح. في تلك الفترة كانت قد تعرّفت على المغني السوري عمر النعامي وقدم لها لحناً، وتزوجها وهي دون سنّ الرشد وأنجبت ابنتها فريال. لكن هذا الزواج لم يدم طويلاً. وبعد الطلاق، انتقلت فايزة أحمد إلى دمشق. لم تلق قبولاً في الإذاعة السورية، فغنّت في المطاعم والمرابع. وفي الفرصة الثانية التي أتيحت لها تمّ اعتمادها مغنيّة في إذاعة دمشق. كان ذلك في مطلع الخمسينيات. وفي دمشق كان زواجها الثاني من الضابط المتقاعد مختار العابد وأنجبت طفلين: أكرم وأماني. لكن الخلافات كانت شديدة بينهما وانتهى ذلك الزواج بالطلاق.

في منتصف الخمسينيات سافرت إلى القاهرة مزوّدة ببعض أغانٍ من تلحين الموسيقي السوري المعروف محمد محسن. وفي مصر اهتم بها الملحن الفلسطيني رياض البندك الذي كان مقيما في دمشق وانتقل إلى القاهرة، وهو من الرعيل الأول الذي أطلق إذاعة “صوت العرب”. وسنحت لها الفرصة الذهبية عندما التقت بالملحن المعروف محمد الموجي وأهداها لحن “أنا قلبي لك ميّال” وقد غنتها أول مرة سنة 1956، فاكتشف الناس صوتها العذب الرائع، وولدت المطربة الجديدة فايزة أحمد.

وبسرعة ذاع اسمها وأعطاها كبار الموسيقيين ألحاناً، وأطربت فايزة أحمد الجمهور بأغان ناجحة. أكمل محمد الموجي مشوار التعاون بأغنية “يامه القمر ع الباب” و”بيت العز يا بيتنا”. وبعد “ست الحبايب” غنت من ألحان عبد الوهاب: “حمّال الأسية”، و”تراهني”، و”وقدرت تهجر” وسواها. من ألحان فريد الأطرش لها “يا حلاوتك يا جمالك”، ومن ألحان بليغ حمدي “ما تحبنيش بالشكل ده”. ومن ألحان كمال الطويل غنت “أسمر يا اسمراني” التي قُدّمت بصوتها فقط في فيلم “الوسادة الخالية”. لكن بطل الفيلم عبد الحليم حافظ استعذب الأغنية وأخذها لنفسه وصار يغنيها في الحفلات ونسبت إليه، ما أثار حفيظة فايزة أحمد.

أثمر التعاون الأول بين المطربة الشهيرة والملحن الصاعد ولادة أغنية “هاتوا الفلّ مع الياسمين.. رشّوا الورد على الجنبين”، وهي أغنية وطنية تحية للجنود المصريين. وثقت فايزة أحمد بموهبة محمد سلطان وأعطته الفرصة لإظهارها. تلت ذلك أغنية عاطفية “أؤمر يا قمر أمرك ماشي”. كان اللحن جميلا في الأغنيتين وأحسن الجمهور استقبالهما. وبدأ مشوار التعاون الفني الذي لن ينقطع بين الاثنين.

من أغاني البدايات أغنية “جاية لك”، ولها في بالي حكاية. كانت فايزة أحمد نجمة إحدى حفلات أضواء المدينة في القاهرة. كان مقرراً أن تغني في الوصلة الأولى “جاية لك” من ألحان محمد سلطان، وفي الوصلة الثانية “بصراحة” من ألحان محمد عبد الوهاب. أعطاني سلطان عشرين بطاقة وزعتها على زملائي طلبة معهد السينما. وكنا سعداء، الطلبة وأنا، وقررنا تشجيع لحن سلطان. عزفت الفرقة الماسية مقدمة اللحن الموسيقية وهمّت بعزف مطلع الأغنية. كنت جالساً في الصف الثاني. وقفت وهتفت بأعلى صوتي “أعد.. أعد”. ومثلي هتف الطلبة العشرون. والهتاف والتصفيق والضحك هي من المؤثرات المعدية، فتعالى الهتاف في الصالة “أعد أعد”. ما زلت أذكر وجه أحمد فؤاد حسن قائد الفرقة وهو يحدق بي مبتسماً وهو يغمض عينا ويفتح أخرى كأنه يقول “على مين؟!”. أعادت الفرقة عزف المقدمة. في فترة الاستراحة تقدم مني رجل وقدّم نفسه على أنه “موفد عبد الوهاب”. وأخبرني بأنه عرف أنني صديق محمد سلطان ورئيس رابطة مشجعيه وقال إنه وجماعته هتفوا معنا تشجيعاً للحن سلطان وعلينا أن نهتف معهم عندما تغني فايزة لحن عبد الوهاب. نقلت التمنّي إلى الطلبة فرفضوا.

وبدأت فايزة تغني لحن “بصراحة”. وفجأة اقترب مني الرجل إياه وقال لي “جماعتك ما بيشتغلوش معانا”. ارتبكت وقلت له “بالعكس” ونظرت حولي وأشرت إلى متفرج يهلل وزعمت أنه من جماعتنا، ففاجأني الرجل بقوله “ده من بتوعنا”. وبعد سنوات وفي لقاء مع الموسيقار الكبير سألته عن حكاية المشجعين، فأجابني بصراحة: “نعم، لكن ذلك لا يحدث إلا في الليلة الأولى من تقديم الأغنية الجديدة. لأن التشجيع يزيل رهبة المطرب وهو يغني اللحن لأول مرة أمام الجمهور. ولأن اللحن يتضمن مؤثرات فنية قد لا يدركها الجمهور لدى سماع اللحن الجديد، فيكون التصفيق بمثابة تنبيه، حتى مع أم كلثوم وهي تقدم لحنا لأول مرة أمام الجمهور. وبعد الليلة الأولى تنتفي الحاجة إلى التنبيه”.

سنة 1964، تزوج محمد سلطان وفايزة أحمد، رغم فارق السن (كانت تكبره بسبع سنوات)، والفوارق الاجتماعية والثقافية ومقدار الشهرة. لكن الحب جمع بينهما، حب الآخر وحب إبداعه. وغنت فايزة أحمد العديد من ألحان محمد سلطان، ومنها: “آخد حبيبي” و”العيون الكواحل” و”خليكو شاهدين” و”مال عليّ مال” و”ياما انت واحشني” و”أحبه كثيرا” وقصيدة نزار قباني “رسالة من سيدة حاقدة”. وبخصوص الأخيرة، نقلتُ إلى محمد سلطان إعجابي بلحنه الجميل وبتألق فايزة في الأداء، خصوصاً وهي تغني “أنا لست آسفة عليك”. واستفسرت منه عن عمليات التجميل التي خضعت لها القصيدة، ومنها حذف ألفاظ مثل “يا نذل.. يا دني” وحلول ألفاظ لطيفة محلها بالرغم من أن المنطق يتفهم غضب امرأة اكتشفت خيانة رجلها لها. قال: “صحيح. لكن الأذن العربية لا تستسيغ الشتائم في الأغاني. والتعديل جرى بموافقة نزار قباني وبقلمه”.

دام ذلك الزواج، وهو الأطول في حياة فايزة أحمد، 17 عاماً، وُلد خلالها التوأم طارق وعمرو. سلطان هادئ جداً وفايزة عصبية وطيبة القلب في آن معاً. تنفعل بسرعة وتغضب بسرعة وترضى بسرعة. كنت مدعواً ذات مرّة لسماعها تغني في حفل في نادي الطيران. وعرض عليّ محمد سلطان أن يوصلني إلى الفندق. ولدى خروجنا، كان سائق باص يصدم سيارة فايزة أحمد القابعة عند مدخل النادي. طبعاً المنظر صدمنا نحن أيضاً، وأخذت فايزة تصيح وتعبّر عن غضبها مرددة “حمّى اللي تسلقه سلق”. كانت اللهجة الصيداوية تتفوق على المصرية في حالات الغضب الشديد! وكان آخر لحن قدّمه لها محمد سلطان من كلمات عمر بطيشة “أيوه تعبني هواك وياك/ يللّي ظلمت الحب معاك”. ووقع الطلاق في مايو/ أيار 1981، ومضى كلٌ في طريق.

فايزة أحمد غنت من ألحان آخرين. وكانت أغنية “لا يا روح قلبي” من كلمات حسين السيد ولحن رياض السنباطي آخر أغنياتها. (كانت ابنتها فريال قد تزوجت من أحمد ابن رياض السنباطي). وانشغل سلطان بتلحين الأغاني التي أنشدتها مطربات مثل ميادة الحناوي، وأصالة، وسميرة سعيد وبتأليف الموسيقى التصويرية للأفلام. وعموماً لم يعمل كلاهما كثيراً في السينما. مجموع أفلام فايزة أحمد ستة، بينها “تمرحنة”، و”أنا وبناتي”، وبلغت أفلام محمد سلطان 11 فيلماً. والطريف أنهما لم يلتقيا معاً في فيلم واحد. وفي المسرح كانت فايزة بطلة أوبريت “مصر بلدنا”، واشترك محمد سلطان مع زوزو نبيل وسعيد صالح في مسرحية “روض الفرج” عن قصة قصيرة لنجيب محفوظ أخرجها حسين كمال.

بعدها، تزوجت فايزة من الضابط عادل عبد الرحمن، وكان عمر الزواج قصيراً. أصيبت بداء سرطان الثدي وتدهورت صحتها ولم يعطها ما تحتاج إليه من حنان في حالة المرض الموجع، وأنفقت مدخراتها لتغطية مصاريف العلاج. وسجلت أغنية السنباطي الأخيرة على مراحل لمدة أسبوع وهي جالسة من فرط التعب. في هذا الموقف كان محمد سلطان إلى جوارها، ولبّى رغبتها في العودة إليها زوجاً. وعاشت أيامها الأخيرة معه حتى وفاتها سنة 1983، كأنها كانت ترنّم كلمات آخر ألحانه لها “أيوه تعبت، تعبت، تعبت.. طَمّن قلبك، لسّه بحبك.. زي زمان وأكتر بزمان”.

(العربي الجديد)

مقالات ذات صلة