حديث ”الأعجوبة” بين سجعان قزي وطلال شتوي

هكذا أعادت ”الانتشار” الحرارة إلى صاحبي فكرين متباعدين في الرأي لكنهما قريبان في القلب

استرعت المقالة التي كتبها الزميل العزيز طلال شتوي في “الانتشار “عن البطريرك صفير انتباه الصديق الأستاذ سجعان قزي، وهو زميل ايضا، فاتصل بي منوها بها وسائلا عن هوية كاتبها فأجبته باقتضاب وسرعان ما عرفه. وحين أبلغت طلال رأي سجعان بما كتب سارع إلى الرد بمقالة ايضا عقّب عليها الأخير بكلمات معبرة قال فيها:

مقال يرسم بواقعية تطور تفكيري ومسيرتي في خدمة لبنان.

اشكر الاستاذ طلال على تقديره وإنشالله نلتقي نحن الثلاثة لنساهم في اجتراح الأعجوبة حقا نحتاج اليها.
مع محبتي لك وللأستاذ شتوي.

هكذا أعادت ” الانتشار” الحرارة إلى صاحبي فكرين، ربما تباعدا في الرأي لكنهما قريبان من بعضهما في القلب .

وفي ما يلي مقالة طلال شتوي:

– صباح المحبة، من هو طلال شتوي؟

– صحافي مخضرم ولديه عدة كتب أشهرها “بعدك على بالي”.

– نعم نعم، تذكرته.

أتمنى أن تبلغه أنني أحببت مقالته.

(دردشة صباحية دارت بين الوزير السابق سجعان قزي والصحافي الكبير الصديق ابراهيم عوض)

أعادتني هذه الدردشة الى يوميات التعارف الأول بيني وبين سجعان قزي، وكان تعارفا من طرف واحد، طرفي.

كان ذلك عام 1984، يوم اضطررت للهرب في ليلة رعب من بيتي في شارع بشارة الخوري المتاخم لخطوط التماس بين البيروتين.

سكنت يومذاك بشكل مؤقت لدى عائلة بيروتية في منطقة الملعب البلدي/ الطريق الجديدة، وأمضيت شهرا كاملا حبيس غرفتي التي لا يوجد فيها جهاز تلفزيون، فكان “الترانزستور” الصغير الذي أملكه سلوتي الوحيدة في ليالي القصف العنيف الذي تتعرض له المنطقة.

لم أكن أهرع الى الملاجىء والطوابق السفلية حين تنهمر القذائف في محيط سكني المؤقت. كنت أمضي الوقت مع “الراديو” وأتعايش مع الجحيم اللبناني بالقدر الذي أتيح لي من شجاعات زائفة، مسكونا برعب حقيقي شأني شأن كل البشر الطبيعيين الذين بدأوا يكونون معارف وخبرات حول الحروب المجنونة التي تدور بين الأبنية المأهولة بالأبرياء.

ذات ليلة اكتشفت صوتا ونصا ونبرة واسما…

انه سجعان قزي الأعلامي يومذاك، وبرنامجه الليلي عبر “اذاعة صوت لبنان الحر”، المنبر التابع للقوات اللبنانية، والمنبر “العدو” الذي يقصف بالكلمات في ليالي القصف بالصواريخ.

كان البرنامج عبارة عن رأي يقوله قزي بأداء مستفز، وكان المضمون معاديا وساخرا وغاضبا، وكانت الأتهامات تكال بالجملة للطرف “الآخر” بدءا من الفلسطينيين، مرورا بأحزاب الحركة الوطنية، وصولا الى السوريين.

لم أحبّ سجعان قزي! لكنه أرغمني على متابعته!

ببساطة لقد أمتعني أسلوبه وأداءه، واعتبرت ضمنيا، وربما تبريرا لأنجذابي الى برنامجه، أنه مجرد شخص آخر من مجانين الحرب الأهلية ولا بأس من أن نستكشف ما يدور في عقول هؤلاء المجانين.

بعد زمن غير قصير، سأجدّد التعارف مع سجعان قزي، أيضا من طرف واحد، طرفي.

كان قد أصبح وجها بارزا وركنا أساسيا من الرعيل الثاني، بعد رعيل المؤسسين، لحزب الكتائب اللبنانية.
فوجئت، ولم أستغرب، بالخطاب الناضج الذي ذكّرني بالكبير آدمون رزق.

وجدت “سجعان قزي” ثانيا، هو فعليا الأمتداد اللبناني الصافي للأول بعد خمود الحماسات وخفوت أصوات البنادق.

ولاحقا استمعت اليه وزيرا في الحكومات اللبنانية.

فعليا، كان أكثر من وزير. كان مفكرا له اجتهادات وقراءات في المسألة اللبنانية، قبل وبعد الحروب الأهلية، وقبل وبعد السلم الأهلي المنقوص، وقبل وبعد التحول السياسي و”الدستوري” الذي راكم اشكاليات لم تخدم العيش المشترك وأخذت اللبنانيين الى ردات فعل مكروهة لا تقل خطورة عن بعض طروحات الحرب الأهلية.

اليوم، سجعان قزي هو من كبار المشتغلين على تظهير “المناطق المشتركة” بين المكونات اللبنانية.
وهذا يستدعي أن يكون أيضا من كبار المشتغلين على ردم “المناطق الخلافية” بين اللبنانيين.

لقد نشأ لبنان بفعل “اعجوبة” استثنائية نسمّيها الصيغة أو الميثاق.

والأعجوبة قد لا تتلاءم مع قوانين وقواعد المنطق في الحياة، لكنها ممكنة متى توافرت لها الأرادات الصادقة والمخلصة والعقول المتنورة.

وانهار لبنان الأعجوبة لصالح لبنان الحالي القائم على الضرورة الأقليمية والدولية، وهي أسوأ مرحلة احتضارية يمكن أن تعبرها الأوطان الأستثنائية.

سجعان قزي، وكثيرون من مسيحيين ومسلمين، مطالبون اليوم بما هو اكثر من “اعجوبة”!

لقد أنهت الدماء والكراهيات وحفلات التكاذب والنفاق بين اللبنانيين براءات الأعاجيب.

نحن نتطلع فعليا الى “معجزة”.

لبنان يستحق المحاولة….

مقالات ذات صلة