باسيل.. ضابط إيقاع في طرابلس!/ ابراهيم عوض

يوم قال الحريري: "من يصدق انو انا وجبران مع بعض في الفيحاء؟!"

“هذه ليست طرابلس التي ولدنا وترعرعنا وتربينا فيها”.

كلمات لطالما سمعتها من الرئيس الراحل عمر كرامي، خصوصاً في السنوات الثلاث او الاربع الاخيرة قبل رحيله عن هذه الدنيا الفانية، والتي راح يرددها على وقع جولات القتال التي كانت مشتعلة بين “باب التبانة” و”جبل محسن”، وما رافقها من تدهور أمني واجتماعي ومعيشي واقتصادي وتجاري في طرابلس. وما ظهر من توجهات وسياسات تشنج وتطرف أقل ما يُقال فيها انها بعيدة عن وجه الفيحاء المبني على الالفة والمحبة والتعايش الفعلي بين أبناء الطوائف، خصوصاً بين جناحي لبنان الأساسيين المسلم والمسيحي، واللذين قال عنهما الرئيس الراحل صائب سلام عبارته الشهيرة “انه لا يمكن للوطن أن يحلق إذا ما خَرُب أحدهما”.

استحضرت ما سبق إثر ردود الفعل المختلفة التي رافقت زيارة رئيس “التيار الوطني الحر” الوزير جبران باسيل، قبل حصولها وبعدها. وتوقفت عند تلك السلبية منها المنتقدة والحاملة على الزيارة، والتي تجاوز بعضها حدود الأدب وحرية التعبير. وثمة من هدد وتوعد بالويل والثبور وعظائم الأمور إن وطأت قدما المعني أرض الفيحاء. وهذا منافٍ للأصول والطبيعة الطرابلسية القائمة على إكرام الضيف الوافد اليها، او مقاطعته بـ”أدب” إذا ما كانت لديها مآخذ عليه.

من حق أي كان أن يعترض على الزيارة ويبدي استياءه منها وضيقه وانزعاجه. لكن من غير المقبول أن يقوم بإقفال الباب على الزائر أي زائر، فكيف إذا كان الأخير رئيس أكبر كتلة نيابية في البرلمان، وممثلاً أول لأبناء الطائفة المسيحية الكريمة، ووزيراً “سيادياً” في حكومة “هيا الى العمل” لرئيسها سعد الحريري، الذي ابرم التسوية الرئاسية المعروفة القاضية بوجوده في “السراي” الى جانب سيد العهد (رئيس الجمهورية العماد ميشال عون) وصهره.

وبما أن الشيء بالشيء يُذكر.. فقد سبق للحريري أن جاء الى طرابلس يرافقه باسيل، مع انطلاق الحملات الانتخابية النيابية حينها. وافتتحا معاً المركز الجديد لشركة “قاديشا” الكائن في منطقة البحصاص عند مدخل طرابلس. ولدى إلقاء الأول خطابه مازح الحضور بالقول وهو يشير الى باسيل: “مين كان يقول إني أنا وجبران مع بعض بطرابلس؟!”.

أما وقد جاء باسيل الى طرابلس وغادرها بأمان وسلام لا بد من كلمة بعد ان استمعنا وقرأنا وتابعنا كل ما صدر من مواقف وتصاريح وتعليقات بشأنها من هنا وهناك.

بداية لا بد من الاشارة الى أن جميع قيادات المدينة، بدءاً بالرئيس نجيب ميقاتي ومعه الوزير السابق النائب سمير الجسر ورئيس “تيار الكرامة” النائب فيصل كرامي، والوزير السابق محمد الصفدي، ومفتي طرابلس والشمال الشيخ الدكتور مالك الشعار قالوا “أهلاً وسهلاً” بالزائر، وإن اتبع البعض منهم التأهيل بملاحظات على خطابه وطالبوه بتحضير “أرضية” الزيارة قبل إتمامها، ومراعاة مشاعر الآتي اليهم بعد حديث مزعوم عن مارونية سياسية تود استرجاع ما انتزعته منها السنية السياسية، والتي تنبّه اليها المعني بها، وأوضح المقصود منها لا بل نفى النطق بها على هذا النحو، مركزاً على الانفتاح والتحاور مع سائر الأطراف والمكونات اللبنانية.

في خطابه حرَصَ باسيل على إظهار حبه لطرابلس وأهلها.. واستعان بالذكريات التي كان فيها والده تلميذاً في “مدرسة الفرير”، فيما راح يعدد الأماكن المحببة لقلبه في عاصمة لبنان الثانية، و”أكل الفول” في المطاعم الشعبية والحلويات المصنوعة على أيدي “آل الحلاب” الذين يعرفهم فرداً فرداً كما قال.

لقد عمل باسيل على إطلالة جديدة (نيو لوك) أمام الجمهور الطرابلسي، الذي كان غائباً عن الحفل في معرض رشيد كرامي الدولي، المقتصر حضوره على عدد من مناصري التيار، لكنه كان متابعاً لمضمونه عبر شاشات التلفزة ووسائل التواصل الاجتماعي لاسيما “الواتس اب”. ومن بلغته تعليقات عدد لا بأس به من أبناء المدينة لفته أن النظرة الى باسيل قبل الخطاب تغيرت عشرات الدرجات بعدها، وربما أدرك من جَنح في تعاطيه “القاسي” مع الزيارة خطأه وهذا ما ظهر في تغريدات متفرقة وتعليقات “فيسبوكية”.

قلنا إن الزيارة حصلت وقضي الأمر.. لكن مفاعيلها ستبقى حاضرة على الساحة السياسية. وأول ردود الفعل حولها جاءت من “القوات اللبنانية” التي استنفرت إعلامها للرد على كلام جبران باسيل المدوي، المتعلق بجريمة اغتيال رئيس الحكومة الراحل الشهيد رشيد كرامي. حتى ذهب أحدهم الى حد ربط الجريمة بالجيش اللبناني وبقائده يومذاك العماد ميشال عون، باعتبار أن الطوافة التي أقلت الرئيس كرامي من طرابلس انطلقت من قاعدة تحت اشراف الجيش. ما يعنينا هنا هو التأكيد على أن لا محظورات أو ممنوعات على زيارة أي فرد الى أي منطقة أراد. وهذا يسري على المواطن كما على المسؤول مهما علا شأنه. إذ من المعيب ان نعود الى لغة الفرز الطائفي ولغة “شرقية وغربية”، وممنوع على ابن هذه الطائفة أن يجاور ابن طائفة اخرى. وما حصل في “الحدث”، على سبيل المثال، يتطلب من الداعي الى الانفتاح ورفض التقوقع من على المنصة الطرابلسية أن يقرن القول بالفعل ويعمل على دحض هذه التوجهات والأفعال ويثبث أكثر فأكثر انه يعني ما يقول وما أعلنه امام الملأ من طرابلس حتى تكون زيارته المقبلة اليها كما ذكر وفق البرنامج الذي كان مخططاً لها، وحتى تنزل الزيارة الموعودة برداً وسلاماً على قلوب الطرابلسيين.. كل الطرابلسيين.

مقالات ذات صلة