أبعاد التنمية والعولمة المستبدة!

يهدف كامل مهنا من خلال ما يقدمه في هذا الكتاب، من توصيف لبؤس العولمة وما وصلت إليه، وتفصيل لمشاريع التنمية في العالم وانعكاساتها على القطاع المدني، وعلاقة “مؤسسة عامل” التي يرأسها بكل ذلك وعلاقة كل ذلك بالعولمة، أن يفتح النقاش مع من يعنيه الأمر، على الأفكار والمعالجات،ويقدم حافزًا لاهتمام المواطن أكثر بالعمل التطوعي، وتنشيطًا لمحركات تطوير العمل داخل المؤسسة التي يرأسها، وفي أوساط الجمعيات الأهلية اللبنانية الأخرى، كي يتدفق عطاؤها بقوة أكبر، فتلبي حاجات الناس المتزايدة إلى حياة أفضل، في بلد ينخره الفساد وترمي شعبه سهام الانهيار الاقتصادي والمالي، ويرزح تحت ثقل سلطات تتخلى عن مسؤولياتها أكثر فأكثر، ما يهدد قيمة المواطن/ الإنسان، ويدق ناقوس الخطر بأننا بتنا في مجتمع يحتاج إلى إنقاذ، وأن مسؤولية القطاع المدني، باتت أكبر.

يعتبر مهنا أن الكتابة عن القطاع المدني أو عن “مؤسسة عامل” باتت اليوم أهم من أي وقت مضى، ذلك أننا نعيش في حالة طوارئ اجتماعية، لا بد من التعامل معها بتيقظ واستنفار دائم. فهو لم يكتب ليتبجح بتجربته، أو يستعرض إنجازاته المهمة، إنما كي تصبح هذه التجربة الرائدة قبلة كل من يفكر، في لبنان والعالم، في تأسيس تجربة مهمة لخدمة الفئات الشعبية المهمشة، وخدمة الإنسان، بغض النظر عن انتمائه السياسي أو الديني أو المذهبي أو المناطقي، وتلك مهمة في غاية الصعوبة، في مجتمع تنخره الشخصنة والانقسام والفساد واليأس والتبعية.

يعتبر مهنا في مؤلفه الجديد أن التجارب تشير إلى أن ظاهرة العولمة في طريقها إلى الانهيار، بعدما انعكست سلباً على المستويات الاجتماعية والاقتصادية والصحية في العالم. وهو ينطلق من مواقف وأحداث في المشهد العالمي، وما يحدث من تغيرات خلال العقدين الأولين من القرن الحادي والعشرين، وما برز في المؤتمرات العالمية المتوالية التي عقدتها منظمة الأمم المتحدة، لا سيما الترويج العالمي لقيم جديدة، بمعنى عولمة قضايا الحريات والديموقراطية وحقوق الإنسان.

ويتحدث مهنا في كتابه عن القطاع الأهلي أو القطاع الثالث أو القطاع المدني، لتفعيل دوره في عملية التنمية، باعتباره الشريك الثالث للدولة والقطاع الخاص، وما يرتبط بهذا الدور من تهيئة البيئة التشريعية والسياسية، في اتجاه تقوية هذا القطاع وتوسيع حضوره، من خلال ما عرف بمواثيق الشرف الأخلاقية التي تبرز المبادئ الحاكمة للقطاع الأهلي أو القطاع المدني، في علاقته بالدولة من جانب، وعلاقته بالمجتمع من جانب آخر، وتشير هذه المواثيق العالمية والعربية إلى عولمة القيم والمفاهيم، في إطار ثقافة عالمية جديدة.

كما يتطرق مهنا في مؤلفه إلى المشاركة الفاعلة للجمعيات والمؤسسات الأهلية العربية، في كل هذه المحافل العالمية، إلى جانب تنظيم عشرات المؤتمرات في المنطقة العربية، التي عبّر عنها البعض بأنها “صحوة القطاع المدني العربي”، وترافق معها تغير لغة الخطاب السياسي في اتجاه دعم الشراكات، لتفعيل دور القطاع الأهلي في عملية التنمية، خصوصًا المتزامنة مع إعلان الأهداف الإنمائية للألفية الثالثة.

ورأى الكاتب أن الألفية الثالثة بدأت بالكثير من التفاؤل في مستقبل القطاع المدني، خصوصًا حين تأسست، منذ تسعينيات القرن العشرين، عشرات الشبكات الأهلية العالمية والإقليمية والعربية، ما دفع باحثين ونشطاء، في ذلك الوقت، إلى اعتبار أن القطاع المدني العالمي يؤسس للدفاع عن الديموقراطية وحقوق الإنسان، وله فاعلية في التأثير في السياسات الاجتماعية والاقتصادية، بيد أن غالبية هذه الأمنيات لم تتحقق، بل العكس، حُلّت أو جُمّدت شبكات عالمية وعربية عدة، وحدث تراجع فيما يعرف بمنظمات القطاع المدني والمنظمات الشعبية، خصوصًا الحقوقية منها. وأن أسباب التراجع ملحوظة وكثيرة في المنطقة العربية، مع بداية العقد الثاني من الألفية الثالثة، وذلك حين برزت نظرة التشكيك والتخوين إلى المنظمات الحقوقية، في سياق اعتمادها الكامل على التمويل الغربي، ودورها فيما سُمّي بـ “الثورات العربية”.

ولم يكن لبنان – برأي الكاتب – بعيدًا، في كل ذلك، عن باقي الدول العربية والدول النامية التي تفاعلت وتأثرت، سلبًا أو إيجابًا، بالعولمة، والتي عانت، ولا تزال، تهميش فئات عديدة من المجتمع، وتزايد حدة الفقر، وتراجع دور الدولة الاجتماعي، وزيادة الهوة بين الفقراء والأغنياء.

تتوالى فصول هذا الكتاب لتلقي الضوء على أهمية التنمية والدور السلبي الذي تلعبه العولمة التي يصفها بالمستبدة. قبل الانتقال إلى التحديات التي يواجهها القطاع الأهلي في لبنان، وتفاصيل المفاهيم والوقائع?

الناشر: مؤسسة عامل الدولية ودار الفارابي، بيروت 2020.

مقالات ذات صلة

إغلاق