انتداب جديد يضرب سيادة لبنان.. والمؤامرة أكبر من حقيبة وزارية! / علي قصاب*

فرنسا تطمح بإدارة مرفأ بيروت والإستثمار في النفط والكهرباء فيما أميركا جُلَ همها إقصاء "حزب الله"..

كتب علي قصاب:

في هذه المرحلة المصيرية والحرجة التي يمُر بها لبنان، ما تزال الساحة السياسية تشهد انقسامات حادة، وتناحراً يكاد أن يطيح بمفاعيل إتفاق “الطائف”، الذي جاء لإنهاء حالة الصراع الدموي والحرب الأهلية التي استمرت 15 عاماً اسفرت عن مقتل أكثر من 120 ألفاً وتشريد آلاف العائلات. ولأن اي اتفاق يُحكم عليه بالنتائج، فقد أثبت “الطائف” هشاشة مفرطة بعد مرور 30 عاماً، لعدم تطبيق كافة بنوده والتهرب من الإلتزام ببعضها الآخر. تلك الهشاشة نعيشها اليوم من خلال مناخ سياسي غير مستقر يرافقه انهيار كامل وسريع لمنظومة لبنان المالية التي تستنزف احتياطات مصرفه المركزي، كذلك العودة إلى استخدام اللغة التحريضية نفسها، التي كانت مدخلاً للحرب العبثية سابقاً، وبتنا نسمعها يومياً وعند كل استحقاق داهم، فيما يبدو أن بعض قادة الأمس لم يتخذوا من التاريخ العبر، وجميع شعارات التنديد بالحروب، فضلاً عن اسطوانات “تِنذكر وما تِنعاد”، بقيت عناويناً اعلامية رنانة تتمترس خلفها القوى السياسية.

بعد الإنفجار المهول الذي عصف بمرفأ بيروت في 4 آب، جاء الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون ليؤسس لعقد سياسي جديد، متجاهلاً حالة لبنان الإستثنائية بجمع الأضداد في المنطقة، ومستبقاً الدور التركي في التقدم أكثر نحو المتوسط. فاختلى ببعض الكتل السياسية بلقاءات خاصة، وجمع القوى البارزة تحت سقف قصر الصنوبر، وشاركهم رؤيته الإستراتيجية لإنقاذ لبنان من السقوط، ممهِلاً اياهم فترة قصيرة لتشكيل حكومة انقاذ تفي بتعهداتها الدولية. فشاركت الأغلبية كبادرة حسن نية، ودعمت هذه المبادرة، ووقفت خلف طرح الرئيس سعد الحريري اسم سفير لبنان في ألمانيا مصطفى أديب، كرئيس جامع يحظى بغطاء سني، فسارعت الأغلبية إلى تسميته ظناً انه يستطيع أن يحقق خرقا ما في هذه الأزمة، لكن حساب الحقل لم يطابق حساب البيدر، إذ أن الضغط الأميركي دفع بالرئيس المكلف إلى عدم التشاور مع الكتل الوازنة، وتشكيل حكومة “أمر واقع” بأسماء ترضي واشنطن برعاية الرئيس الحريري شخصياً، تنفيذاً لأجندة قديمة جديدة، هدفها إقصاء “حزب الله” ليس عن الحكومة فحسب بل عن الحكم بشكل عام. اذن الامر الذي لم تستطيع حكومة فؤاد السنيورة ان تحققه في عام 2008، تحاول حكومة أديب ان تفرضه متسلحة بالدعم الفرنسي وعصا العقوبات الاميركية.

بناء عما سبق، نستطيع القول أن التسوية الفرنسية ولدت ميتة، فهي في الأساس لم تأتِ عن عبث، وحلّت على لبنان بعد تخطيط دولي لا يأخذ بالإعتبار مصلحة اللبنانيين. فإذا كانت التسوية لا تضع أي “فيتو” على أي قوى حزبية مشاركه في الحكومة، إلا أن الإدارة الأميركية جل همها تقليص نفوذ ثم اقصاء الثنائي الشيعي عن الحكومة، ومنها الحديث عن تمسكهما بوزارة المالية، وقد التقت مصالح الرئيس الحريري والسنيورة مع الرغبة الاميركية، فأمنا الغطاء للرئيس المكلف لحسم التشكيل بعيدا من التشاور مع “الثنائي”. والمفارقة هنا، أن من كان مادحا لتلك التسوية راجع حساباته وأعاد النظر بها، بعد ان كُشف عن ان قوامها يعتمد بالمطلق على تكبيد الدولة لمزيد من الديون، والدفع بلبنان إلى مواصلة سداد ديونه المتعثرة دولياً، بعد أن كان سابقا أعلن تخلفه عن سدادها، وما رافق ذلك من ضغوط لوكالات التصنيف العالمية.

طبعاً، هذه الديون ستُدفع من جيوب المواطنين عبر اقرار مزيد من الضرائب، والعمل على رفع الضريبة على القيمة المضافة إلى الـ15 في المئة، التي كانت حكومة السنيورة قد اعدتها قبل 10 سنوات. لكن هل المجتمع لديه القدرة على تحمل ذلك؟.. خصوصاً بعد انهيار قيمة الليرة وانكشافها أمام العملات الأجنبية، وجنون سعر صرف الدولار، اي العملة الأميركية التي انتهجتها الحكومات السابقة في تسعير معظم السلع الغذائية والاحتياجات الطبية، والتي جعلت الإقتصاد مدولراً من دون أي عناصر انتاج مقاومة في بلد غير المكتفي ذاتياً، لا يُنتج أي صناعة أو زراعة تُذكر، تَدعم خزينة الدولة. وهنا كان الخطأ المميت للنظام المالي العام والإنكشاف الكامل للدولة.

ومع ذلك، ماذا يستطيع الرئيس الفرنسي ان يُقدّم لمساعدة لبنان في تسويته المذكورة، مع غياب العناصر الأساسية الداعمة التي توفرها الدول العربية ومعها أميركا؟!.. فكل ما استطاع جمعه ماكرون بمؤتمراته الدولية حتى اليوم لم يتجاوز سقف الـ250 مليون دولار، فهل بهذا المبلغ يستطيع ان يوقف النزيف المستمر في الدولة، او يعيد تأهيل جزءاً من الأبنية المتضررة من انفجار المرفأ، الذي هو بحاجة إلى 6 مليارات دولار كحدٍ ادنى لإعادته إلى ما كان عليه سابقاً.

من الواضح، أن الرئيس ماكرون يسعى الى شراء الوقت لأسباب سياسية، منها أن الولايات المتحدة قد فوضته بالتعاطي مع الملف اللبناني، لكون الرئيس دونالد ترامب وادارته منشغلة بالتحضير للإنتخابات الرئاسية وتحقيق بعض الأهداف التي تدفع بالشعب الاميركي إلى التجديد له ومنها “انتصارات” التطبيع مع الدول العربية وغيرها من الامور على الساحة الدولية، كما ان ماكرون يريد استثمار نجاح تسويته اللبنانية في الداخل الفرنسي، خصوصاً بعد موجة التحركات الشاجبة التي تقودها “السترات الصفراء” احتجاجاً على سياساته المالية، وذلك من خلال قطع تمدد النفوذ التركي في منطقة شرق المتوسط (مصلحة ثنائية لباريس وواشنطن)، وادخال الشركات الفرنسية للاستفادة من اعادة اعمار وتأهيل وتشغيل مرفأ بيروت وملفات أخرى تتعلق بالتنقيب عن النفط واصلاح القطاع الكهربائي.

وهنا أصبح لبنان مجدداً بلا سيادة، ويخضع لانتداب مبطن ومُقنَع، بدءاً من الاستراتيجية التي تعتمدها باريس في التعاطي مع اللبنانيين في عملية تشكيل الحكومة، واختيار ابرز وجوه وزرائها الذين يحظون بالدعم الخارجي، وصولاً إلى التدخل بامور أكبر تتعلق بخطة الحكومة الإقتصادية فيما تبقى العين على الخصخصة لبيع ما تبقى من قطاعات لبنانية.. لكن يبقى السؤال: اين هم من يدعون حرصهم على سيادة لبنان؟!.. أليس هذا انتقاصا من حق الوطن؟!

إغلاق