بطولة “الشامبيونزليغ”… دروس وعبر في فوز البايرن ميونخ!

كتب إيلي إ. أبو جودة

المهرجان الكروي الذي استمتعت به جماهير الساحرة المستديرة في ختام بطولة “الشامبيونزليغ” لم يكن مجرّد فوز البايرن ميونخ بأحد أهم ألقاب كرة القدم العالمية، أي دوري الأندية أبطال أوروبا، بل تعدّاه فكان فوزا ومجموعة عِبَرْ في الوقت ذاته. وأبرز ما جاء في تلك الدروس هو الآتي:

– كان الفوز الكبير ذا عدة قيم مضاعفة. كان تتويجا لأداء بايرن ميونيخ الرائع، لا في المباراة الختامية فحسب، بل في جميع مباريات البطولة، بدءا من تصفيات المجموعات، وفيها حقق الفوز الباهر على توتنهام الإنكليزي ذهابا وإيابا. وكرره في دور الـ 16 مع الإنكليزي الآخر، شيلسي، ذهابا وإيابا أيضا. ثم في الأدوار النهائية: الفوز الخارق للعادة على برشلونة في الدور ربع النهائي، ثم على ليون في نصف النهائي. وليون هو الفرق الذي أطاح يوفنتوس ومانشستر سيتي! وكان مسك الختام في المباراة النهائية. وقطع مشواره بسهولة واثقة، مكتسحا فرقا قوية، آخرها باريس سان جرمان. ولم يكن فوزه عليه مصادفة، أو بضربة حظ، بل بجدارة.

– وعلى العكس من ذلك كان درب باريس سان جرمان معبّدا وبلا عوائق. في ربع النهائي تقابل مع أتلانتا برغامو، وفاز عليه في الوقت بدل الضائع، وبشق الأنفس. ثم كان فوزا ميسّرا على لايبتسيغ. والفريقان الإيطالي والألماني حديثا العهد بالبطولة الأوروبية، وخبرتهما قليلة في هذا المجال. حتى إذا ما وقعت المواجهة مع الفريق البافاري، ظهر الفريق الباريسي متواضعا.

– حقق بايرن ميونيخ رقما قياسيا جديدا، بفوزه في جميع المباريات وعدده 11 مباراة.

– أحرز مهاجمه روبرت ليفاندوفسكي لقب أفضل هدافي البطولة برصيد 15 هدفا.

– الصحيح هو اختيار المدرب المناسب أيا كان اسمه. وهانزي فليك خير دليل. عندما اضطر النادي البافاري إلى الاستغناء عن مدربه كوفاتش، بعدما أثبت فشله، تداولت وسائل الإعلام اسماء عديدة معظمها أسماء رنّانة. لكن إدارة النادي فضلت فليك. وهو كان مساعد كوفاتش. وفليك كان لاعبا في بايرن ميونيخ، وكان المدرب المساعد إلى جانب يواخيم لوف يوم فازت ألمانيا بكأس العالم 2014. وأثبتت الأيام أنه كان المخطط التكتيكي للفريق. إذ أنه بعد تركه المنتخب تخبط يواخيم لوف وانحدرت نتائجه متتالية. بينما أثبت هانزي فليك، وبسرعة قياسية، أنه مدرب من طراز رفيع تفوق بجدارة على أسماء “عالمية” مثل: غراديولا، وكلوب، وزيدان، وسيميوني وسواهم. في أقل من موسم كامل، وهو أول موسم له كمدرّب، فاز بالثلاثية التاريخية. وهو إنجاز لم يسبقه عليه أحد.

– ولم يكن نجاح فليك وليد المصادفة. إنه ثمرة جهد وشخصية مدرّب يتمتع بمزايا عديدة: هانزي فليك خبير تكتيكي متميز. يدرس كل مباراة ونقاط قوة الخصم وضعفه ويضع الخطة المناسبة. وفي كل المباريات كانت الخطة صحيحة ومثمرة. تقارب بين الخطوط ولا فراغات يستغلها الخصم، هجوم قوي ودفاع قوي وحارس مرمى لا يكفّ عن التألق! وهو قد نجح في إقامة علاقات إنسانية ودّية مع اللاعبين جميعا. وكان هؤلاء يقبلون قراراته برحابة صدر. لأنها قائمة على الإقناع. وهو نجح في إعادة مولر وبواتنغ إلى مستواهما العالي السابق. وهو في الإجمال صنع فريقا متجانسا، متعاونا، يدخل الملعب في كل مباراة ولديه رغبة قوية في الفوز، ويبذل الجهد الكامل لتحقيق الرغبة. ومن دون غرور ولا تبجح ولا حركات استعراضية بهلوانية. ولا أنانية النجوم وسعيها إلى الظهور الفردي. ولا نوم على حرير النجاحات السابقة. كل مباراة بداية جديدة وتحدٍ جديد.

– نجحت الإدارة بالتعاون مع فليك في تكوين فريق كبير من دون فرقعة إعلامية. في الأندية الكبيرة الأخرى تجد ثلاثة أو أربعة لاعبين نجوما وبقية الفريق من لاعبين متوسطي القيمة، وبعضهم دون الوسط. في بايرن ميونيخ الفريق هو النجم. في كل مركز لاعب دولي متميّز. بعضهم من أصحاب الخبرة الطويلة، وبعضهم من الشباب المشتعل حماسة.

-ومما لاشك فيه، أن إدارة بايرن ميونيخ متميّزة هي الأخرى. الأندية الكبرى إدارتها من مليارديرية، ورجال إعمال. في بايرن كل الإدارة من كبار لاعبي النادي السابقين. في الموسم القادم يتولى أوليفر كان رئاسة النادي. في الموسم الحالي كارل هاينز رومينيغه. ومن قبل أولي هونيس، ومن قبل بكنباور. ولكونهم من كبار النجوم السابقين، فهم أدرى الناس بشؤون اللاعبين. وقد نجح النادي في خلق علاقة التفاهم والتفهّم بين الإدارة واللاعبين. ويجدر بنا الإشارة إلى أن ميزانية النادي البافاري اقل بكثيرٍ كثيرْ من موازنات باريس سان جرمان ومانشستر سيتي وتشلسي وريال مدريد وبرشلونة ويوفنتوس وسواها. بايرن ميونيخ هو النادي الأوروبي الكبير الوحيد الذي لا ديون عليه. معظم الأندية حدّث ولا حرج. تنفق أكثر مما تملك. ديون كثيرة لدى المصارف او تغطية من كبار أثرياء العالم.

– أثبتت خطة نادي بايرن ميونيخ، على كل الأصعدة: الإدارة والمدرب واللاعبون، أن الشغف والإرادة والجهد هي مفاتيح الفوز، لا المال ولا الأسماء. الامتحان في الميدان، في الملعب. لا في المصارف، ولا في كتب التاريخ. وما نفع النوادي أن تربح أسماء نيمار وميسي ورونالدو ومحمد صلاح وتخسر مبارياتها؟

هذا أبرز ما يمكن استخلاصه من بطولة الشامبيونزليغ هذا الموسم التي اختتمت بفوز بايرن ميونيخ بجدارة. ولعل الفيفا تقبل باقتراح نادي بايرن ميونيخ القديم المطالب بشفافية ميزانيات الأندية منعا لإغراق ساحة الكرة بالأموال التي بلا رصيد. وهكذا تسترد لعبة كرة القدم جمالها الأوّل، وتعود لعبا وتكتيكا وفنونا، لا مضاربات بورصات لا علاقة لها بسحر الرياضة.

 

مقالات ذات صلة

إغلاق