إدارة الحسابات ولا رؤية اقتصادية/ غالب قنديل

 

تدور نقاشات الموازنة العامة في حلقة مفرغة رسمتها حقيبة سيدر برسم سقوف للعجز وحدود للإنفاق الحكومي وتبدو فارغة من جميع الوعود والآمال بتحقيق نقلة ولو متواضعة قليلا من الريعية إلى تطوير القطاعات المنتجة بصورة تسمح بتوليد فرص عمل جديدة والبدء بتحقيق تحولات هيكلية في البنية الاقتصادية.

من الواضح ان لبنان ما يزال أسيرا للهيمنة والوصاية الغربية التي تشد من خناق شروطها وتدخلاتها على بنيته الاقتصادية الركيكة والهشة بفعل النهج الاقتصادي الذي ساد بقوة منذ التسعينيات وفوت فرص إعادة البناء الوطني بعد الحرب برؤية جديدة تضع في الحساب ما جرى من تحولات دولية وإقليمية في النصف الثاني من القرن العشرين.

المفارقة الخطيرة هي ان البلد الذي تحدى الغطرسة الاستعمارية بقواه الشعبية المقاومة وألحق أعنف هزيمة بالكيان الصهيوني القاعدة الأميركية الغربية المتقدمة يبدو عاجزا وصاغرا امام العقوبات والإملاءات التي تطرحها الجهات الدولية الغربية المهيمنة من خلال سلة سيدر والرقابة الصارمة لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي وعبر العقوبات الأميركية والتدخلات المباشرة للولايات المتحدة وفرنسا الدولتين الاستعماريتين الداعمتين للكيان الصهيوني ولعصابات التكفير التي خاض اللبنانيون حرب مقاومة في وجه خطرها الوجودي الدموي الذي قاتلته المقاومة بالشراكة مع الجيش كما فعلا في التصدي للاحتلال الصهيوني المدحور.

هذا الواقع لايمكن التعامل معه دون رؤية سياسية صارمة تقوم على مبدأ التحرر من الهيمنة الذي هو شرط أي استقلال حقيقي كما تقول تجارب الشعوب والبلدان الأخرى في العالم والحقيقة انه في ظل التوازن الإقليمي والدولي الراهن ترى بعض القوى الصادقة في دعوتها للتحرر من الاستعمار الأميركي المالي ومن كل وصاية اجنبية اقتصادية او سياسية عقبتين كبيرتين امام محاولة تحقيق هذه الغاية وتحمل تبعاتها.

العقبة الأولى هي السيطرة الأميركية المحكمة على النظام المالي والمصرفي العالمي لدرجة ان دولا عظمى مثل روسيا والصين وإيران تسلك طرق التكيف مع الضغوط والبحث عن البدائل في شراكات بينها وفي محيطها ورغم ذلك تعيش اختناقات كبيرة ومكلفة أحيانا وبالطبع لامجال للمقارنة بين قدرات تلك الدول الاقتصادية والمالية وبين لبنان المنهك والذي يمثل قطاعه المصرفي المتضخم اكبر الهياكل الفعلية في بنائه الاقتصادي المشوه وهذا القطاع مرهون للتحكم الأميركي بينما تمثل تحويلات اللبنانيين العاملين في الخارج المصدر الرئيسي المجدي في حساب الواردات امام تآكل قطاعات الإنتاج وحالة الركود الخانقة التي شلت القطاع العقاري الذي كان ناشطا في ذروة الحرب الأهلية ثم أهلكته مضاربات العهد الإعماري بعد تورم مصطنع .

العقبة الثانية هي الانقسامات الطائفية والسياسية التي تجعل من جميع الخيارات السياسية والاقتصادية محور صراع داخلي في غياب مشروع جدي لبلورة إرادة وطنية تقود مسيرة الخروج من عنق الزجاجة فيتحول المسعى برمته إلى إدارة ازمة تتعالى فيها صيحات الخوف والتخويف من الانهيار الوشيك الذي تصاعد معه الابتزاز الغربي لمنع التطلعات الوطنية من التبلور في مشروع جدي في غياب الحركة الشعبية الخامدة والموزعة على العصبيات التناحرية الكامنة والظاهرة.

جميع نقاشات الموازنة تحولت إلى إدارة حسابات بلا رؤية فالجدل هو في كيفية خفض الإنفاق يعني التنافس على سبل إرساء المزيد من الركود والتعويل الفعلي على تغيير الصورة هو إنفاق القروض الموعودة في سيدر على بعض مشاريع ترميم البنية التحتية التي تنعكس قليلا على بعض المرافق الاقتصادية والبعيدة كليا عن فكرة امتلاك ادوات فعلية لتنمية الثروة الوطنية.

تنمية قطاعات الإنتاج هي السبيل للتحرر من حلقة الاستدانة المتكررة ومباشرة إطفاء فقاعة الدين العام بالإضافة لكل ما يطرح نظريا من إصلاحات إدارية تصطدم فعليا بطبيعة نظام التقاسم القائم والذي عطلت منذ الطائف آلية تجاوزه من صيغة توزيع في بنيان السلطة إلى مشروع دولة وطنية من خلال تعليق البند الخاص بتجاوز الطائفية السياسية.

حماية الصناعة والزراعة والسياحة ودعمها وحماية ودعم مشاريع صناعة المعلوماتية الوطنية وحمايتها وغير ذلك من التدابير الممكنة لا أثر لها في الموازنة وكذلك لا أثر كليا لأي توجهات في السياسة العامة للحكومة اللبنانية لتنويع الشراكات الدولية والإقليمية الاقتصادية والمالية بما يحفز التنمية الحقيقية ويضعف أثر العقوبات والضغوط فيخدم فكرة التحرر من الهيمنة عبر توازن جديد في السياسة والاقتصاد يطور العلاقة بسورية والعراق وإيران وروسيا والصين إلى جانب الروابط والعلاقات القائمة مع الغرب والخليج لامعجزة في تبني مثل هذه الرؤية وخوض المعركة السياسة المستحقة من اجلها لكنها للأسف غائبة ومغيبة وسط الانهماك في اولويات اخرى أصغر وأقل شأنا…

إدارة الحسابات العامة ضرورة لكنها أبعد ما تكون في مسارها عن رؤية اقتصادية وطنية لتجاوز حد السكين الذي لو ظل على رقاب اللبنانيين فلا مجال لوقف النزيف: نزيف الثروة المدمرة ونزيف الأبناء المهاجرين والأخطر هو نزيف الفرص الشرقية السانحة التي لن تنتظر احدا.

(التحليل الاخباري)

مقالات ذات صلة