قصائد انبتتها الصخور…في سيرة محمد علي شمس الدين والبحث عن شباب الأم

===كتب جهاد أيوب

بحساسية مفرطة، ودقة مغرية رسم الكاتب المقبل إلى عالم الأدب من الارقام مصطفى جوني على قماشة ليست له، بل هي من صناعة الشعر، وعرف كيف يطرزها بحبر السيرة!

رسم مصطفى لوحات من سيرة الشاعر الكبير محمد علي شمس الدين بثقة الباحث عن جديد اللون الشعري، أراد أن يكون مختلفاً في تناول حكايته، صفحات من مشواره، وسوالف مجهولة في لسان البوح، وغنية من خلف حجاب قصائد الشاعر، وأغنية رغم ترددها لم نكتشف خباياها!

ركز جوني في بصمة ديوان العرب المعاصر محمد شمس الدين في كتاب صدر حديثاً “قصائد انبتتها الصخور” على علاقة الشاعر بوالدته، والتي فقدها صغيراً، وغابت عن شمس نهاره، لكنها لم تغب عن قلبه، وتربعت في كل نظراته، واستمرت باشراقاتها داخل فكره، يذهب إليها في حالات مختلفة، في الحب ينحتها بحروف العطف، وفي القصائد الوطنية يسرق طيفها من منديل صنعه خيال العتمة، وفي الثورة يجعلها في مقدمة الثوار…وحينما يقرر اقتحام التاريخ في قصيدة مباشرة لا تعرف الخوف يجدها جالسة على حروفه حاملة نقاط القول…

بهذا اختزل جوني كل صور الشاعر، لجمها في البحث عن الأم، اكتشفها في أماكن لم يكن ليعرفها محمد بسبب تراكم سنوات البعد، ربما خبأها خلف ستائر من حرير، وربما أرادها مخفية ومرئية لمن يمتلك سحر قراءة اللحظة، وربما أرادها في سراب الحركة والحياة حتى نزيد من أسئلتنا في شعره!

نعم، لا جديد إذا قلنا أن كل قصائد محمد علي شمس الدين ترتكز في غنائياتها على التضاد والسؤال، ولا مجال في نطق هذا الشاعر إلا لمساحة مشرقة في أسئلة مدهشة…هذا هو شعر محمد علي شمس الدين، وهذه هي ركيزة بصمته، قد يختلف معنا الكثير، ولكن من يتصفح هذا الكتاب البحثي يجد صوابية ما نشير!

قام مصطفى جوني بمشقة صعبة أن يصل من خلالها إلى غاية واضحة، لكنه ثابر، وضع خطة استفزازية لصاحب العلاقة، ودون أن يشعره بمباشرة البحث أخذ منه ما يريد، وترجمها في بعض السيرة، والكثير من القصائد…نعم نجح مصطفي في الكشف عن مكنونات أماكن جلوس والدة شمس الدين، مسح غبار السنوات، زادها لمعاناً لنجد كلمات الشاعر أكثر اشراقاً كما لو كنا اكتشفناها الآن ونحن من قرأها عشرات المرات!

في هذا الكتاب المتوسط والصغير وقليل الأوراق، والكثيف في المعلومات نجح الكاتب في جعلنا نقتحم خصوصيات الشاعر، واوصلنا إلى لغز الحزن المكنون في غالبية قصائده، وإلى ثورة براكين أسئلته التي جعلت من شاعر التضاد والريح والحب العاصف، والمؤمن بسيرة المظلومين، والحاضن لوطن يذوب بين أعيننا ذاك الجالس على عرشه وفي مملكة لا تطالها رياح الحاقدين، ولا تصلها صغائر المتسللين، جعلت من الشاعر صولجان أشعاره، وجعلت من قصائده صلاة لكل بعيد!

“قصائد انبتتها الصخور”…ارض لا تعرف الصحراء بل صفعات في صفحات سيرة محمد علي شمس الدين المسكون بقلق المصير، والمشغول بحياكة الأيام، والمسكوب مع كل عطر، والمسافر إلى الضوء، والمشاكس مع كل فجر، والمثابر في البحث عن أمه مع فراشة الحكايات، والمزارع المنثور في حقول جبل عامل، والصياد الهارب مع غزالته في وديان لا تعرف غير الصدى…هذا هو الشاعر البصمة محمد علي شمس الدين في كتاب مصطفى جوني “قصائد انبتتها الصخور”.

مقالات ذات صلة